محمد أبو زهرة
1558
زهرة التفاسير
مسيطرين أقوياء ينتقلون أحرارا من بلد إلى بلد ، وجملة معنى النص الكريم : لا يصح أن يخدع أحد بما عليه أولئك الناس من قوة وسطوة وتصريف في شؤون البلاد ، فإن هذا إلى أمد قصير ، وهو متاع قليل ، ولذا قال سبحانه : قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ . المتاع الشئ الذي يجعل الانتفاع به ولا يبقى طويلا ، من ذلك قوله ، تعالى : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ( 185 ) [ آل عمران ] ، وهي هنا خبر لمبتدأ محذوف دل عليه الكلام الذي قبله ، والمعنى أن تقلبهم وتصرفهم في البلاد متاع قليل ، فهو انتفاع عاجل ومقداره قليل ، ثم تعقبه بعد ذلك حسرات ، ولذلك ذكر ما يعقبه فقال : ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ العطف ب « ثم » ليس للدلالة على التراخي الزمنى فقط ، بل للدلالة على تفاوت ما بين حالهم في الدنيا ، وما يكونون عليه في الآخرة ، والمأوى هو المكان الذي يأوى إليه الشخص ليستقر فيه ويطمئن ، فكان استقرارهم هو جهنم ، وهي اسم لنيران يوم القيامة ، والمهاد هو المكان الممهد والفراش اللين ، ويكون التعبير عن مآلهم بالمهاد من قبيل التهكم . ويصح أن يقال إنهم هم الذين مهدوه لأنفسهم ، ويكون المعنى بئس الذي مهدوا به لأنفسهم ، أي أنهم بأعمالهم في الدنيا قد مهدوا لأنفسهم فراشا من اللظى والجحيم وبئس هذا المهاد . وفي هذا تعزية للمؤمنين أبلغ تعزية ، وقد روى الترمذي أن رسول اللّه قال : « ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم ، فلينظر بما يرجع » « 1 » . لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها الاستدراك هنا ب « لكن » للمقابلة بين المتقين الأبرار والمشركين الفجار بالنسبة للمآل ، فالكفار مآلهم جهنم ومتاعهم دنيوي قليل ، والمتقون لربهم المدركون لمعنى الربوبية الشاكرون لنعمته مآلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ، وليست مدتها
--> ( 1 ) الترمذي : الزهد - باب منه ( 2245 ) ، ورواه مسلم : الجنة وصفة نعيمها وأهلها - فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة ( 5101 ) . وأحمد : مسند الشاميين ( 17322 ) ، عن مستورد بن شداد بن عمرو .